صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

35

شرح أصول الكافي

يطرئه الانفعال والتعب ، بل فعله الإفاضة وصنعه الابداع الناشئ عن محض علمه واراداته من غير استعمال آلة أو حركة ، ونحن لو كنا بحيث وجد من نفس علمنا وإرادتنا شيء لم يلحقنا من وجوده تعب وانفعال ، لكنا نحتاج في افعالنا إلى حركة واستعمال آلة ، على انّ علمنا وإرادتنا زائدين على ذواتنا ، فاللّه تعالى أولى بان لا يلحقه تغير من صنعه ، لانّ فعله بمجرد علمه ومشيئته الموجبتان لقوله وامره الواسطتان لفعله وصنعه . فهناك ثلاثة أمور مترتبة : أولها العلم والإرادة وهما عين ذاته ولا تغير فيها . وثانيها القول والكلمة . وهما ناشئتان من ذاته بلا وسط ، فلا تغيّر فيهما ولا تبديل ولا تحويل لقوله : لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ « 1 » ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا « 2 » ، لان الناشئ عن الثابت ثابت . وثالثها الصنع والفعل ويتطرّق فيه التّغير ، لانّ من جملة المواد والحركات . فالفاعل الّذي يفعل بالحركة لتعلقه بالجسم يلحقه لا محالة تكأد وكلال ، كالكتابة والمشي وغير ذلك ، والله منزه في صنعه الّذي هو الابداع وهو أفضل ضروب الفعل والايجاد ، عن لحوق تغيّر الّذي هو من لواحق التّعلق بالمواد والأجساد إليه ، بل هو كما أشار إليه بقوله ( ع ) : انّما قال لما شاء : كن فكان ، فقوله تعالى « كن » كلمة وجوديّة تامة لا يشوبها عدم وقصور ، وقضاء حتم لا يمازجه احتمال وظنّ وجزاف ، وأوّل ما يترتب على قوله « كن » ما عبّر عنه بقوله « فكان » وهي أكوان خلقية دائمة الحركات يلحق إلى فاعل غير متناهي قوة الفعل ، في قابل غير متناهي قوة الانفعال لرشح الخيرات الدائمة وإفاضة النّعم التي لا تحصى كما قال : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها « 3 » ، واكدّ ذلك بقوله : ابتدع ما خلق بلا مثال سبق ولا تعب ولا نصب . امّا ان خلقه غير متوقّف على سبق مثال : فلانّ المثال أيضا من جملة افعاله ، فلو كان ابتداعه لكلّ فعل مسبوقا بمثال لزم التسلسل في الأمثلة فوجب ان لا مبدأ لصنعه الّا ذاته بذاته ، وامّا ان لا يلحقه تعب ولا نصب : فلانه لا يفعل الأشياء بقوة متناهية جسمانية حتى يعرضها الوهن والكلال ونحو ذلك ، لانّ هذه الأمور من خواص الجسمانيّات .

--> ( 1 ) . يونس / 64 ( 2 ) . الفاطر / 43 ( 3 ) . إبراهيم / 34